قراقوش المفترى عليه بقلم فضيلة الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله
حدثتكم من شهور حديثاً، صححت فيه خطأً شائعاً، وبرأت فيه متهماً مظلوماً، حين ردتت باطل المتنبي، وبينت حق المؤرخين في كافور الملك العادل الذي صغره المتنبي وهو عظيم، وسيف الدولة الذي جعله المتنبي أعدل الملوك، وكان على براعته في الحرب من ظلمة الحكام.
ولقد جئت أحدثكم اليوم عن رجل راح ضحية الأدب المفتري، كما راح كافور بعده ضحية الشعر الظالم . هو قراقوش.
وقراقوش المسكين، الذي صار ألسنة الناس، في كل زمان وكل بلد المثل المضروب لكل حاكم فاسد الحكم، فكلما أراد الناس أن يصفوا حكماً بالجور والفساد ، قالوا : هذا حكم قراقوش .
وهم يحرفون اسمه، فوق تحريف تاريخه، فيقولون : قراقاش بدل قراقوش ، وقراقوش معناها بالتركية ـ النسر الأسود ـ ( قوش : نسر ، قرا : أسود ).
إن قراقوش يا أيها السامعون له صورتان : صورة تاريخية صادقة، وصورة روائية صّورها عدو له من منافسيه.
والعجيب أن الصورة التاريخية الحقيقة طُمست ونُسيت، والصورة الخيالية الباطلة بقيت وخلدت، فلا يذكر الناس قراقوش إلا ذكر الناس هذه الحكايات العجيبة ، وهذه الأحكام الغريبة، التي نسبت إليه، وافتريت عليه.
فمن هو قراقوش؟.
هو أحد قواد بطل الإسلام صلاح الدين الأيوبي، كان من أخلص أعوانه ومن أقربهم إليه، وكان قائداً مظفراً، وكان جندياً أميناً، وكان مهندساً حربياًً منقطع النظير.
وكان مثالاً للرجل العسكري، إذا تلقى أمراً أطاع بلا معارضة ولا نظر ولا تأخير، وإن أمر أمراً لم يرض من جنوده بغير الطاعة الكاملة، بلا اعتراض ولا نظر او ت
























